لنبن الحزب الثوري تحت نيران العدو
إن الدرس المركزي الذي أبرزته الماركسية, كنظرية للثورة البروليتارية, منذ البداية, هو ضرورة بناء حزب شيوعي, كنواة قائدة لهذه الثورة. وليس من قبيل الصدف, أن كان أول نص يشكل اندماج هذه النظرية الثورية البروليتارية, يسمى ب”البيان الشيوعي”.
وقد ذكر المؤتمر الثاني للأممية الثالثة المنعقد في يونيو 1920, حول دور الحزب الشيوعي في الثورة البروليتارية, بما يلي:
لو كانت الطبقة العاملة, خلال كمونة باريز (1871), تتوفر على حزب شيوعي منظم تنظيما محكما, مع أنها قليلة العدد, لكانت أول انتفاضة للبروليتاريا الفرنسية البطلة أكثر قوة ولتجنب أخطاء وأغلاطا عديدة. إن المعارك التي ستخوضها البروليتاريا, في ظروف تاريخية مخالفة تماما, ستكون لها نتائج خطيرة أكثر مما كان سنة 1871 (1).
إن هذا الدرس مقبول, بكل وضوح, من طرف جميع الثوريين الذين يرون بأن الماركسية-اللينينية هي وحدها القادرة على قيادة النضال التحرري للبروليتاريا والشعوب المضطهدة. ولكن كيف يتم بناء هذا الحزب الثوري الماركسي-اللينيني, الحزب القائد للثورة؟
كيف يتم بناؤه, عندما يحطم قمع العدو الفاشي المنظمات الثورية, بمعدل يساوي تقريبا معدل تركيبها؟
قد يرى البعض أنه للإفلات من هذا القمع المدمر, يجب بناء هذا الحزب بعمل داخلي ووضع تنظيماته الثورية بعيدا عن نيران العدو, باستقطاب مجموعة من الكوادر وتثقيفها خارج كفاح الجماهير الذي يلازم القمع, إنها نظرية بناء الحزب في السلم.
وستنفحص بالتتابع الموقف المبدئي والدروس التي برزت من خلال تاريخ الحركة العمالية, وسنرى ما هي ركائزها النظرية ثم ما هي, مع هذه الاعتبارات, مبادئ الدفاع الاستراتيجي ضد هجوم العدو.
التجربة التاريخية وموقف الحركة العمالية المبدئي.
هذه بعض الأمثلة الخاصة التي تشخص تاريخ الحركة العمالية:
1- كيف كان موقف الحزب البلشفي إبان فترة القمع القيصري, الأكثر قسوة, التي عرفتها الحركة العمالية الروسية سنوات 1907 إلى 1910 .
لقد ختم لينين تقرير اجتماع المجلس الخامس للحزب, الذي عقد في دسمبر 1908, بما يلي : سيعرف (الحزب البلشفي) كيف يبقى اليوم أيضا حزبا طبقيا, حزب الجماهير, سيبقى الطليعة التي لن تنفصل عن الجيش في أقسى اللحظات, سيعرف كيف يساعده على التغلب على صعاب هذه المرحلة الشاقة, على تقوية الصفوف ثانية, وعلى تكوين مقاتلين جدد باستمرار (2).
2- في سنة 1921, كان رد الفعل الإمبريالي الشامل لكل أوربا, يدفع الحركة الثورية إلى التراجع. وتؤكد الأطروحات المنبثقة عن المؤتمر الثالث للأممية الثالثة المنعقد في يونيو من نفس السنة “أن مهمة الحزب الشيوعي الرئيسية, في الأزمة التي نجتازها, هي قيادة المعارك الدفاعية للبروليتاريا, توسيعها, تعميقها, تجميعها وتحويلها –حسب التطور- إلى معارك سياسية من أجل الهدف النهائي. ولكن إذا كانت الأحداث تتطور ببطء أكثر, بحيث تعقب الأزمة الاقتصادية الطبيعية, مرحلة من الإنتعاش, وذلك في عدد من البلدان يقل أو يكثر, فلا يمكن تفسير وإعتبار هذه الفترة, كفترة “التنظيم”. ومادامت الرأسمالية موجودة, فإن التقلبات في التطور ستكون لا مفر منها, هذه التقلبات ستصحب الرأسمالية في انحطاطها, كما صحبتها في شبابها وفي نضجها أيضا (3). ونضيف كذلك بأن الحركة الثورية خلال المدة القادمة ستتبع سيرا إما أكثر نشاطا أو أكثر بطء, وعلى الحزب الشيوعي في كلتا الحالتين, أن يصبح حزب عمل, فيكون في قيادة الجماهير المناضلة للتعبير بحزم ووضوح عن شعارات النضال, كما يفضح شعارات الإشتراكية –الديمقراطية الملتبسة المبنية دائما على التنازل. فعلى الحزب الشيوعي إذن أن يبذل كل جهده خلال كل مراحل النضال, وأن يقوى بإمكانيات تنظيمية مرتكزاته الجديدة, عليه أيضا أن يعد الجماهير للعمليات الفعالة وأن يسلحها بطرق وخطط جديدة مبنية على الصدام المباشر والمفتوح مع قوات العدو”. (4)
3- في فبراير 1929 , في الوقت الذي كانت فيه الجيوش البيضاء لـ تشان كاي تشيك منتصرة في كل مكان, أعطت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الأوامر لانسحاب ” شوته” و”ماوتسي تونغ” من الجيش الأحمر لكي لا يقدموا للعدو الأهداف الرئيسية, فأجاب ماوتسي تونغ حينئذ: “كلما اشتدت قسوة الظروف ازدادت الحاجة إلى حشد القوات وتركيزها وإلى قيام القادة بنضال حازم, وبهذه الطريقة وحدها نستطيع أن نحقق الوحدة الداخلية ونتصدى للعدو”(5).
4- أثناء بناء الحزب الشيوعي الألباني, كان على المجموعات الماركسية-اللينينية أن تناضل خلال الثلاثينات وتحت الدكتاتورية الفاشية للملك “زوفو” ضد “نظرية تربية وحماية الكوادر”.
إن ” تاريخ حزب العمل الألباني” المؤلف بقرار من اللجنة المركزية لهذا الحزب (الفصل الأول) يعلمنا أنه, “حسب هذه النظرية لا يجب على الشيوعيين أن يعملوا ولا أن يلتحموا بالجماهير وينظموها, بل أن يظلوا منعزلين في خلاياهم ولا يهتموا إلا بالتكوين النظري (6). إن هذه النظرية في الواقع ترى أن العلاقة مع الجماهير والعمل وسطها مؤذيان, لان ذلك يعرض الكوادر للخطر!(7)
في إطار صراع سياسي طويل, انعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الألباني في شتنبر 1941 . وكما كتب الرفيق جلبير موري لقد تغلبت الضرورة التاريخية على النزعة الحلقية(8). ومن ضمن قراراته كان فضح المؤتمر بالخصوص لنظرية الكوادر كنظرية إنهزامية وانتهازية, تبعد الشيوعيين عن الجماهير الشعبية وتحتفظ بهم ذيليين لها, وتحولهم إلى مجرد حلقة, تؤدي في النهاية إلى تصفية الحزب”(9).
5- لقد تكون الحزب الشيوعي الفيتنامي واصبح محنكا تحت أسوأ ضروب القمع البوليسي والعسكري للاستعمار الفرنسي. وفي سنوات 1931 إلى 1936 , عرف معظم كوادر الحزب, الذي كان حديث التكوين, السجن والأشغال الشاقة والموت أيضا, خاصة بالنسبة لعدد من الكوادر الرئيسية. ومن جديد وابتداء من 1938 إلى حدود ثورة غشت 1945 لم يكن النضال أكثر سهولة, وهذا ما أظهره مناضل ثوري فيتنامي عضو في اللجنة المركزية لهذا الحزب حينما كان يذكر سنواته الماضية “…. كلما أحرزنا على نتائج, كلما طاردنا البوليس. وقد كانت كوادرنا الجديدة تعتقل بكل سهولة نظرا لقلة تجاربهم, حتى أن البعض كان يعتقل بعد شهرين أو ثلاثة من نشاطه. أما الأكثر ذكاء فإنهم يستطيعون المقاومة حتى حدود ستة أشهر. وفي كل مرة كنا نشعر بأن هذه الوضعية تمثل بالنسبة لنا خسارة فظيعة. وكل هذا كان يحدث بسرعة بحيث لا نتمكن من تكوين عدد من الكوادر في مستوى اتساع تنظيمنا (10). فلم يبق أمامنا إلا حل واحد هو تهريب المعتقلين السياسيين من السجون. وقد كان هذا أحسن ما نعتمد عليه. ونشير إلى أن لي دوكتو كان من بين من فروا من معتقلات الأشغال الشاقة.
أسس هذا الموقف:
(1) هذا الموقف الراسخ للحركة الماركسية-اللينينية يرتكز على أسس, هي نفسها ماركسية, ويرتكز بصفة أدق على المبدأين التاليين:
أ?- أن الجماهير هي التي تصنع تحت القيادة السياسية والإديولوجية للبروليتاريا.
ب?- هذه القيادة يحققها الحزب الماركسي-اللينيني, كنواة قائدة للطبقة العاملة والجماهير الثورية.
ونستنتج من هذا بأن عزل البذرة عن الأرض التي تغذيها يعني الحكم عليها بالهلاك والعدم.
لقد وضع ماركس في : “أطروحات حول فيورياخ” , التصور البروليتاري الأساسي الذي يؤسس تلك المبادئ. إن تصور الحزب كنواة قائدة تتغذى بالنضال الثوري للجماهير وفي نفس الوقت تقودها, يظهر خاصة في الأطروحة الثالثة حيث ينتقد ماركس التصور المادي البرجوازي للمعرفة, هذا التصور ” العلماني” للمثقفين البرجوازيين الصغار,ويقابله بالتصور البروليتاري المادي الدياليكتيكي : إن النظرية المادية التي تقر بأن الناس هم نتاج الظروف والتربية, وبالتالي بأن الذين تغيروا هم نتاج ظروف أخرى وتربية متغيرة هذه النظرية تنسى أن الناس هم الذين يغيرون الظروف وأن المربي هو نسه بحاجة للتربية. ولهذا فهي تصل بالضرورة إلى تقسيم المجتمع قسمين أحدهما فوق المجتمع. إن توافق تبدل الظروف والنشاط الإنساني لا يمكن بحثه وفهمه فهما عقلانيا إلا بوصفه عملا ثوريا”.
ونستنتج من هذا أن ليس هناك ” قادة” يمتازون بامتلاك المعرفة ويقدمونها للمناضلين ونستنتج أيضا أن تكوين منظمة ماركسية-لينينية في قلب نضال الجماهير وفي قلب ممارستها الثورية هو وحده الذي يسمح, حتى من خلال هجمات العدو, بإعداد خط سياسي صحيح يدفع بدوره إلى بروز مقاتلين جدد وكوادر ثورية جديدة من وسط هذه الجماهير. ولهذا فإن أوائل المناضلين الذين مهدوا لهذه العملية ومهما بلغت جذارتهم, ليسوا ذوي تفوق نوعي بالنسبة لهذه الكوادر الجديدة المنبثقة عن نضال الجماهير.
إن هذا التصور وحده الكفيل, عن طريق الممارسة الدائمة التي هي أساسا المركزية الديمقراطية والانضباط الثوري, كفيل بتصحيح الأخطاء السياسية والتنظيمية, وفي نفس الوقت ببناء الخط السياسي الصحيح الذي يبلور نضالات الجماهير الثورية والمنظمة الماركسية اللينينية كنواة قائدة لهذه النضالات هكذا, وهكذا فقط يتكون القادة كأشخاص يرتبطون ما بين أعلى سلطة ونفوذ وتجربة(11).
(2) أضافت اللينينية إلى هذين المبدأين, والذي أعادت توضيحهما وعمقتهما, مبدءا ثالثا هو: معاصرة الثورة لمرحلة الإمبريالية, وهذا ما أشار إليه ماو تسي تونغ في تصريحه في ماي 1970 بهذه العبارة: “…الآن, الاتجاه الرئيسي هو الثورة”.
وكما كتب لينين في فبراير 1909 متحدثا عن رئيس الحكومة القيصرية: إن السيد ستوليبين, رغم حكمته العالية, لا يمكن أن يتقدم خطوة واحدة بدون أن يسرع بسقوط أتوقراطية هي في توازن غير مستقر (12). ويبقى هذا أكثر صحة بالنسبة لظلال الإمبريالية الباهتة التي تسمى اليوم: عصمان, حدو الشيكر أو الحسن.
ومن هنا المبدأ نستنتج بالخصوص على أن الثورة الوطنية الديقراطية لا يمكن أن تكون بتاتا من صنع البرجوازية- حتى تلك التي سميت بشكل غريب راديكالية, خاصة في بلد يوجد تحت سيطرة قمع الإستعمار والإستعمار الجديد (هذا الإصطلاح- أي الراديكالية- يتناقض مع الماركسية التي لا تعترف إلا بطبقة واحدة راديكالية هي البروليتاريا) – ولكن فقط بواسطة حكم العمال والفلاحين تحت قيادة الطبقة العاملة (13).
كل هذا يدعم أهمية الموقف المبدئي الذي هو موقف الحركة العمالية الثورية في مواجهة العدو.
فهل يجب علينا إذن في نفس الوقت الذي تحرق فيه البرجوازية أخر أوراق لعبها أن ننزوي أم أن نحافظ ونمسك بحزم براية النضال؟
(3) هل يمكن القول أن على الحركة الثورية أن تحدد مواقفها بالهجوم فقط؟ إن كان هذا ممكنا, فإنه يعني ارتكاب أفظع الأخطاء.
من المستحيل أن ننتصر بدون معرفة علم الهجوم والتراجع, هذا ما كتبه لينين سنة 1921, ملخصا في كتابه” مرض الشيوعية اليسارية الطفولي التجربة التاريخية للحزب البلشفي, ومتحدثا عن الفترة ما بين 1907 و 1910 بالضبط, مضيفا كذلك بأن علم الهجوم يجب أن يكتمل بعلم أخر: معرفة كيف نتراجع.
ولكن هل يمكن أن نتصور أن تتراجع قيادة أركان حرب تاركة الجيش يتدبر أمره وحده؟ هل نتصور قيادة أركان حرب لا تنظم التراجع؟ إن هكذا لا يعني معرفة وإتقان التراجع, ولكنه وبكل بساطة عدم تحمل مسؤولياتها. وهذه المسؤولية لا ينقص منها كون هذا الجيش- الذي مازال في طور التكوين – لا يزال يعتمد على مجموعات من الشباب الثوري, بل بالعكس يمكننا أن نستخلص من التحليل الملموس للواقع الملموس, إن هذه المجموعات المتقدمة بالذات هي التي ستكون أو بدأت في تكوين حلقة الوصل الجماهيرية (لا على أنها حلقة نخبوية) مع الطبقة العاملة والفلاحين, ولكن بشرط أن نحافظ على إلتحام ونضالية المجموعات .
وضع ما وتسي تونغ مبادئ التراجع في كتابه قضايا الاستراتيجية في الحرب الثورية الصينية(14) ومن الواجب دراسة الفصل الخامس المتعلق بهذه المسائل والموجود تحت عنوان الدفاع الاستراتيجي لما وتسي تونغ, مع التفكير في تطبيق هذه المبادئ على المراحل السياسية من النضال التي تعيشها.
كل هذا يطرح أهمية دراسة علم الدفاع الاستراتيجية لما وتسى تونغ ( الدفاع الاستراتيجي) (15).
وسنعود مستقبلا إلى دراسة نضالات هذه السنة وتقييم تجاربنا النضالية, ونذكر بخلا صات ما وتسي تونغ حول الدفاع الاستراتيجي فيما يلي: إن التراجع الاستراتيجي يستهدف كليا الانتقال إلى الهجوم المضاد , والتراجع الاستراتيجي ليس سوى المرحلة الأولى من الدفاع الاستراتيجي, وأن الحلقة الحاسمة في كل استراتيجية , هي النصر أو الفشل في المرحلة اللاحقة, مرحلة الهجوم المضاد(16).
وهذا يفرض الحرص على استراتيجية مبنية على المبادئ الثلاثة المرتبطة بينها التي ذكرنا بها فيما قبل, أولا حول دور الجماهير كفاعل للثورة, ثانيا حول بناء الحزب الماركسي اللينيني كنواة قائدة للبروليتاريا وللجماهير الثورية وثالثا حول معاصرة الثورة.
(4) مبادئ نظرية لبناء الحزب الثوري
يمكننا الآن أن نفهم أحسن, التصور اللينيني
المزيد